التقارير والحوارات

تحرير سعر الصرف.. “المالية” تخطو في حقل الألغام

تقرير : ابولبابة

أثار وزير المالية، إبراهيم البدوي، مخاوف الاقتصاديين والمهتمين، بحديثه عن تحرير سعر الصرف في الفترة المقبلة، في إطار خطته الاقتصادية “المختلف حولها وعليها” واللافت أن كثيرين اعتبروا أن حديث البدوي يعني أنه يمضي قُدماً، في تطبيق “وصفة” البنك الدولي، بالرغم مما تنطوي عليه من مخاطر اقتصادية واجتماعية، في ظل التدهور المعلوم للجميع.
في ديسمبر الماضي، احتدم الجدل بين الحكومة الانتقالية، وحاضنتها السياسية “قوى الحُرية والتغيير” بعد أن أعلن قدمت وزارة المالية مشروع موازنة للعام الحالي، يتضمن رفع الدعم السلعي وتحرير سعر الصرف، وهو ما رفضته “الحرية والتغيير” وبعد شد وجذب، انعقد اجتماع ضم مجلس الوزراء والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ولجنة الخبراء الاقتصاديين، فتم الاتفاق على عدم تضمين موازنة 2020 أي رفع للدعم أو تحريك لسعر صرف الجنيه، أو الدولار الجمركي، وإحالة تلك القضايا إلى مؤتمر قومي اقتصادي.
إلا أن وزير المالية، إبراهيم البدوي، المح في تصريحات في بحر الأسبوع الماضي، إلى اعتزامه تحرير الصرف وانتهاج سياسة واقعية بعد تعديل الرواتب الحكومية، وذلك للقضاء على تهريب الذهب، والحصول على تحويلات المغتربين عبر الجهاز المصرفي.
غير أن المبررات التي ساقها البدوي، بدت غير مقنعة للاقتصاديين بما فيهم اللجنة الاقتصادية لقوى الحُرية والتغيير، والتي حذرت على لسان عدد من عضويتها، من أن تحرير سعر الصرف سيؤدي إلى ارتفاع كبير في سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما يعني نتائج كارثية على الاقتصاد.
والمقصود بتحرير سعر الصرف “أو تعويم العُملة” هو أن تصبح العملات الأجنبية محررة بشكل كامل، في مقابل العملة الوطنية، فلا تتدخل الحكومة أو البنك المركزي في تحديد السعر بشكل مباشر، وإنما يتم إفرازه في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب.
وبحال من الأحوال، لا يمكن النظر إلى “تحرير سعر الصرف” بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية الاخيرة، وبشكل خاص زيادة الأجور التي بدأ تطبيقها منذ الشهر الماضي، حيث أن وزير المالية رهن خطوته “المزمعة” بالإيفاء بمتطلبات الهيكل الراتبي الجديد.
وعلى ذات النسق، يربط الخبير الاقتصادي د. فيصل عوض حسن، بين المسألتين، حيث رأى أن الزيادة المهولة في الرَّواتب غير منطقية بالمرة، واعتبرها مدْعاة للخوف لأنها لا تتماشى مع واقعنا الاقتصادي (المُختنق) بإقرار وزير الماليَّة نفسه، مرجحاً في حديثه لـ “كنا” احتمال قيام الحكومة بطباعة كميات إضافية للجنيه السوداني بفئاته المختلفة، في ظل عدم وجود فوائض نقدية، كما لم يحدث أي تطوُّر في صادرات البلاد، واصفاً ما تم بأنه “فخْ” و”خديعة” من الوزير، لتمرير أوامر صندوق النقد الدولي دون استعداد للآثار الكارثية المترتبة على ذلك، مستشهداً بإعلان الوزير نيته في تحرير سعر الصرف، بالرغم من
معاناة بلادنا المُتزايدة والمُتسارعة من التضخُّم “الجامح” والذي ترتفع مع الأسعار بنحوٍ مُتسارع ومُتتالي، والحكومة عاجزة تماماً عن تحجيم ومُعالجة هذه الزيادات المُتتالية في الأسعار، فيما تفقد العملة الوطنية قوتها الشرائيَّة بنفس معدَّلات زيادة الأسعار.
وحذر فيصل من أن “ما يعتزمه الوزير” يُعدُّ كارثة حقيقية، ستفضي لـ “سحق” ما تَبقى من السُّودانيين “على حد قوله” مؤكداً أنه بمجرد تحرير سعر الصرف، سينخفض الجنيه أكثر، وأن الدولة لا تملك احتياطات كافية من العملات الحرة، وبالتالي لا يُمكنها مُجاراة السوق الأسود الذي سينفرد تماماً بتحديد أسعار العملات الحرة وابتلاع المعروض منها، هذا بدوره سينعكس على أسعار السلع والخدمات، سواء المحلية أو المستوردة، وسترتفع أسعارها يومياً لتصل معدلات ضخمة، سيعجز الكثيرون عن مُجاراتها، وهذه الكارثة بعينها، والتي قد تُفضي لفوضى لا يعلم حجمها ومداها إلا الله.
ومن المعلوم أن البلاد تعاني من شح في موارد النقد الأجنبي، منذ انفصال الجنوب في يوليو 2011، حيث فقد الشمالي ثلثي الانتاج النفطي الذي كان يمثل آنذاك حوالي 80% من الصادرات، وتفاقمت أزمة النقد الأجنبي بتراجع الصادر تبعاً لتراجع القطاعات الانتاجية، بالتزامن مع زيادة الطلب من أجل الاستيراد، ولم تنجح كل المحاولات الحكومية “ذات الطابع الاقتصادي أو الأمني” في كبح جماح الدولار، والحد من نشاط السوق الأسود “الموازي” ليصل سعر الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، بعد تسجيله أكثر من 150 جنيه في المعاملات خلال الأسابيع الماضية.
في الأثناء، اتهم عضو اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، كمال كرار، اتهم وزير المالية بالإصرار على تطبيق “روشتة” البنك الدُولي، على الرغم من وجود بدائل تتمثل في سياسة اقتصادية وطنية بعيدة عن تعويم العملة ورفع الاسعار، وذهب في حديثه لـ “كنا” إلى وصف تحرير سعر الصرف بالـ “كارثة” مؤكداً أن القيام بهذه الخطوة سيؤدي تضخم عالي جداً، وبالتالي ارتفاع الأسعار تبعاً لارتفاع تكاليف الانتاج والنقل والترحيل، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تدهور القطاعات الانتاجية، وتراجع الصادرات، ليزداد عجز الميزان التجاري، وتزداد تكاليف المعيشة، وترتفع معدلات البطالة ونسب الفقر.
وفي ديسمبر الماضي، حث صندوق النقد الدولي الحكومة على تحرير سعر الصرف بشكل كامل، ورفع الدعم عن الوقود، لزيادة الإيرادات المالية للبلاد وتخفيف الأعباء عن الحكومة الجديدة، إلا أن كثير من المراقبين اعتبروا موافقة الحكومة على هذه الخارطة، بمثابة استمرار ذات السياسات الاقتصادية التي ثار ضدها السودانيون في انتفاضة ديسمبر 2018 ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى